أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
51
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
--> - الكتاب . وأحسبُ أنّ الشرارة الأكثر وضوحاً لهذا الخلاف قد اندلعت بعد إعلان السيّد الصدر ( رحمه الله ) عن أعلميّة السيّد الخوئي ( رحمه الله ) بعد وفاة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) ، وهو ما أكّده لي لاحقاً الشيخ محمّد رضا النعماني ( انظر أحداث سنة 1390 ه - ) . وفي المقابل كان بعض أصحاب السيّد الصدر ( رحمه الله ) بين مخلصٍ لحركة السيّد الخميني ( رحمه الله ) وبين متّهمٍ بعضَ أطيافها بأنّها شيوعيّة ، نتيجة الجو العام المخيّم على بعض أنصاره الذين كانوا يردون إلى النجف لزيارته ، فلم تكن بنظرهم حركة دينيّة بالمعنى الذي يرونه ، لأنّها تجمع تحت عباءتها مختلف الأطياف السياسيّة المخالفة للشاه حتّى الشيوعيّين ، وقد تقدّم الحديث عن بعض النماذج المتأثّرة ب - ( تشي غيفارا ) . ونتيجة هذه الحساسيّات ، فقد كان كلٌّ من الفريقين يفسّر أيّ موقف صادرٍ عن الطرف الآخر ضمن هذا السياق ، ولهذا اعتبر بعض أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) إرسال السيّد الصدر ( رحمه الله ) السيّدَ محمود الهاشمي إلى درس ( الحكومة الإسلاميّة ) وكثرة الإشكالات التي كان يطرحها في المجلس ، اعتبروه محاولةً من السيّد الصدر ( رحمه الله ) لتخريب الدرس على ما خبرته من أحد المشايخ ، ولم يعتبروا هذه الخطوة دعماً وتأييداً من السيّد الصدر ( رحمه الله ) كما يتّفق عليه أصحاب الأخير . وعلى أيّة حال ، فقد ظلّت هذه النظرة مخيّمة عند أصحاب السيّد الصدر ( رحمه الله ) حتّى الأيّام الأولى للثورة ، ولهذا طلبوا من السيّد الصدر ( رحمه الله ) التريّث في دعم السيّد الخميني ( رحمه الله ) لأنّ حركته غير واضحة ، ولأنّ للشيوعيّين حضوراً واضحاً فيها . ولكنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) تحرّر من رؤية أصحابه ليعلن بشكل صارخٍ لا يقبل الشكّ عن تأييده المطلق للسيّد الخميني ( رحمه الله ) ، ومن هنا يعزو البعض سبب تأخّر السيّد الصدر ( رحمه الله ) في دعم السيّد الخميني ( رحمه الله ) بالشكل المطلوب - وإن لم نؤمن بأنّه تأخّر - إلى الصورة السلبيّة التي كان قد رسمها له أصحابه . وبعد ذلك اقترح بعضهم أن يقدّموا اعترافهم لأصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) بأنّهم كانوا مخطئين ( انظر أحداث سنة 1399 ه - ) . إلّا أنّ أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) اعتبروا هذه الخطوة متأخّرة ، ولم تكن لتشفع للسيّد الصدر ( رحمه الله ) في تنظيف ملفّه ، فلم يرتّبوا أثراً على الرسالة المفتوحة التي أرسلها إلى باريس ، وعاتبوه على عدم تفاعله مع الثورة حتّى بعد مسارعته إلى كتابة ( لمحة فقهيّة تمهيديّة ) قبيل انتصار الثورة بأيّام . وقد بقي موقفهم منه على حاله ، حتّى قيل إنّ بعضهم لعب دوراً سلبيّاً في ما يتعلّق ببرقيّة السيّد الخميني ( رحمه الله ) إليه ، والتي قلبت الموازين السياسيّة في العراق . ولا زال هذا الموقف سائداً عند بعضهم ، حتّى لعب دوراً في منع تداول كتاب ( دروس في علم الأصول ) في الحوزة الإيرانيّة ( إن صحّ التعبير عن الحوزة بذلك ) . ولا أخفي قارئي الكريم ميلي إلى أنّ عدم نظافة ملف السيّد الصدر ( رحمه الله ) لدى أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) ربّما لعب دوراً في بقائه في عزلته أيّام الحجز دون محاولة معتدٍّ بها تذكر ، سوى محاولة السيّد محمود دعائي زيارته كما يأتيك ( انظر أحداث سنة 1399 ه - ) . وقد ذكر لي السيّد جعفر كريمي بتاريخ 1 / 12 / 2004 م أنّ ما يشاع حول العلاقة بين السيّد الخميني وبين السيّد الصدر من أنّ الأخير دعا إلى الالتفاف حول الأوّل ليس بصحيح ، ولم يكن بينهما علاقة ، ثمّ قال : إنّ ما لديّ لا ينفعك ، فقلتُ : إنّني لا أبحث عمّا يصبُّ في صالح السيّد الصدر ، بل أستوضح ما جرى وإن لم يكن كذلك ، فاعتذر عن الحديث ، وقد بدا لي أنّ فتح موضوع السيّد الصدر ( رحمه الله ) قد أزعجه بشدّة . وهنا أعلّق بأنّ الأخبار الدالّة على أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) دعا إلى الالتفاف حول السيّد الخميني ( رحمه الله ) لو كانت منقولةً عن مريدي السيّد الصدر ( رحمه الله ) المؤيّدين للسيّد الخميني ( رحمه الله ) فحسب ، لصار هناك مجالٌ للتشكيك بها ، ولكن يوجد إلى جانب هذه الأخبار أدلّة حسيّة قطعيّة الصدور متمثّلة ببعض ما جاء بخطّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) تارةً في ( الإسلام يقود الحياة ) وأخرى في رسائله الخطيّة ، وثالثةً بصوته ، وهذه الأمور لا يُمكن نفيها أو التشكيك بصحّتها ( انظر أحداث سنة 1399 ه - ) . يبقى أن أوضّح بعض ما يتعلّق بما ذكره بعض أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) من أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) تأخّر جدّاً في تأييده السيّد الخميني ( رحمه الله ) [ انظر : خاطرات آيت الله خاتم يزدى ( فارسي ) : 189 ] ، فإنّ النصوص الواضحة والمؤرّخة تظهر خلاف ذلك تماماً : 1 - ففي وسط محرّم / 1399 ه - 16 / 12 / 1978 م كتب السيّد الصدر ( رحمه الله ) رسالته المشهورة إلى الشعب الإيراني . 2 - وفي 5 / صفر / 1399 ه - ( 4 / 1 / 1979 م ) أملاها هاتفيّاً على بيت السيّد الخميني ( رحمه الله ) ، ووضعها تحت تصرّفهم ليتمّ ترجمتها ونشرها . -